الجاحظ

20

البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )

الجاهلية والإسلام مخضرم ، وقولهم لكتاب اللّه قرانا ، وتسميتهم للتمسح بالتراب التيمم ، وتسميتهم للقاذف بفاسق . إن ذلك لم يكن في الجاهلية . وإذا كان للنابغة أن يبتدئ الأسماء على الاشتقاق من أصل اللغة كقوله « والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد » وحتى اجتمعت العرب على تصويبه وعلى اتباع أثره ، وعلى أنها لغة عربية ، فاللّه الذي هو أصل اللغة أحق بذلك » « 1 » . ويبدو أن الجاحظ استند في مذهبه إلى القرآن والسماع ونظريته القائلة أن المعرفة تحدث طباعا . وقد اقتفى أثره ابن فارس في كتابه « الصاحبي في فقه اللغة » ولكن خالفه ابن جني الذي قال إن اللغة اصطلاح ، والسيوطي الذي قال إنها تقليد . ولكن أبا عثمان لم يستطع أن ينكر ما طرأ على اللغة العربية من تطور . فقد دخلت عليها ألفاظ أعجمية بسبب اختلاط العرب بغيرهم من الشعوب . فأهل المدينة لما نزل فيهم ناس من الفرس ، علقوا بألفاظ فارسية فسموا البطيخ الخربز ، والسميط الرزدق ، والمصوص المزوز . وكذلك أهل الكوفة تأثروا بلغة الفرس الذين احتكوا بهم فسموا المسحاة البال وسموا الحوك الباذروج ، وسموا القثاء خيارا الخ . . . « 2 » . وهناك ألفاظ جديدة أوجدها المتكلمون وعلماء اللغة في العصر العباسي عن طريق الاشتقاق أو النحت أو الاصطلاح للتعبير عن المعاني الفلسفية والعلمية الجديدة مثل الجوهر والعرض والهوية والهذية الخ . يقول الجاحظ موضحا هذه الناحية : « . . . وهم المتكلمون تخيروا تلك الألفاظ لتلك المعاني ، وهم اشتقوا لها من كلام العرب تلك الأسماء ، وهم اصطلحوا على تسمية ما لم يكن له في لغة العرب اسم ، فصاروا في ذلك سلفا لكل خلف ، وقدوة لكل تابع . ولذلك قالوا العرض والجوهر وأيس وليس ، وفرقوا بين البطلان والتلاشي ، وذكروا الهذية والهوية والماهية وأشباه ذلك . وكما وضع

--> ( 1 ) الجاحظ ، الحيوان ، ج 1 ، ص 280 - 281 . ( 2 ) الجاحظ ، البيان والتبيين ، ج 1 ، ص 17 - 18 .